ورقة انقلاب النساء ضد النظام في إيران .. كيف فشل المخطط ؟
بعد وصول دونالد ترامب إلى منصة الحكم والسياسة الخارجية للولايات المتحدة تغيرت بشكل جذري في التعامل مع الحلفاء قبل الأعداء، وما كان يحل بالدبلوماسية أصبح من الماضي خصوصًا بعد طوفان الأقصى.
ملف إيران كان دومًا من الملفات الأساسية لكل رئيس أمريكي، كان الحل العسكري هو أحد الحلول، لكن أولوية اتخاذ هذا القرار لم يكن مطروحًا كخيار أول فوري للرؤساء السابقين.
ترامب أخذ القرار، وتورطت المنطقة في هذه الكارثة التي وصل مداها إلى كل دول العالم، وعند الوصول إلى هذه النقطة، لابد من حسم لهذا الملف، فالدبلوماسية لن يكون لها معنى، فنحن أمام منتصر وخاسر، والطرف الأقوى سيفرض شروطه لا محالة، ونموذج فنزويلا ليس ببعيد، وهو ما كانت تطمح له الولايات المتحدة في ضربتها على إيران.
في الحرب، كل الوسائل مشروعة للطرفين، فالكل يستخدم كل أوراقه لتحقيق نصر حاسم، سواء كانت العسكرية أو غيرها، وهنا أمريكا تلعب على وتر مظلومية المرأة داخل المجتمع الإيراني كورقة لإسقاط النظام.
في هذا التقرير، نسلط الضوء على هذه المحاولات، وهل بالفعل قد تكون الورقة الحاسمة غير المتوقعة لحسم الحرب ؟
المرأة الإيرانية أداة أمريكا في الحرب
بعد بروز الحركات النسوية في القرن الحديث وتنامى دورها في المجتمعات خصوصًا في الشرق الأوسط تحت شعار حماية المرأة والبحث عن حقوقها الضائعة ونصدق الناجيات وغير ذلك، أصبحت هذه الحركات هي سلاح بيد المحتل لضرب أي مجتمع.
قديمًا كانت الحجة لدخول الحرب هي لحماية الأقليات، وياللعجب كان سبب الحماية هو لأن هذه الفئة مظلومة ومضطهدة، وهو ما تشترك معه فكرة النسوية، أن المرأة مظلومة ومضطهدة من المجتمع الذكوري.
فالحجة جاهزة، والآن نأتي للتنفيذ، تحركت الولايات المتحدة في أوقات سابقة قبل الحرب الحالية إلى استخدام هذا الملف ضد النظام الحاكم في إيران، ظهرت بدعوات لتحرر المرأة الإيرانية من الحجاب ومن التسلط الديني، وأنك حرة في فعل ما يحلو لك وهذا ما يكفله المجتمع الدولي وحقوق المرأة ومؤسسات الرأي العام والخاص التي أصبحت لا تعد ولا تحصى ولسنا نعرف فائدتها صراحة !
كان يحدث تحرك ولو طفيف لفئات من النساء داخل المجتمع الإيراني في التمرد على الشكل الديني للمجتمع، وكان يقابله النظام بالعنف الشديد، وفشلت هذه المحاولات سابقًا.
لكن حاليًا تعود الولايات المتحدة لاستغلال هذا الملف، وتراه الآن فرصة على طبق من ذهب، وهو ما كانت تتوقعه وفق التخطيط على الورق، لكن أرض الواقع هي الحكم والفيصل.
إجمالي عدد سكان إيران هو 86 مليون نسمة، عدد النساء من هذا العدد هو 42 مليون تقريبًا، هذا العدد الضخم الذي يقترب من النصف إن انفجر في وجه النظام، فنسبة نجاحه في إسقاط الحكم كبيرة، بل قد تكون غير مسبوقة، وهذا ما تعلمه الولايات المتحدة، لكن هل تنجح أم تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن ؟
لحظة التنفيذ
الآن الخطة جاهزة، عدد نساء ضخم داخل المجتمع، مبرر قوي تحت شعار "تحرير المرأة من قيود النظام الديني" ووجود ضربات عسكرية لتدمير قدرات الدولة، إذا فهي فرصة سانحة للتحرك المدني، يبقي مراقبة النتيجة على أرض الواقع.
بعد الضربة الأولى الاستباقية باستهداف مدرسة البنات التي راح ضحيتها 150 فتاة في سن ما بين 7 إلى 12 عام، كان الحدث كفيلًا بضرب أول مسمار في كرسي خطة أمريكا لاستغلال النساء.
حيث بالمنطق كيف تطلب من فئة يقدر تعدادها بنصف المجتمع أن تتحرك معك وأنت أول ضربة عسكرية لك كانت قصف بناتهن ! وفي عمر صغير كذلك !.
بأي منطق تطلب من أم فقدت بنتها أن تتحرك ضد نظام بلدها الذي لم يقترب من عائلتها رغم كل الظروف الاقتصادية الصعبة، وأن تساندك وأنت الذي أعلن وبكل فجور أنك القاتل لفلذة قلبها.
بأي منطق تقنع النساء الإيرانيات أن العدو اللدود هو النظام وأنت الملاك الطاهر بعد مناظر الفتيات الصغيرات والدفاع المدني ينتشل جثثهن.
بأي منطق تقنعها أن تكون في صفك وهي تقف على قبر صغيرتها تبكي بدل الدموع دمًا على فراقها، وهي تتذكر كيف أخبرتها في صباح ذلك اليوم أن تجتهد في حصصها الدراسية كي تصبح طبيبة المستقبل أو مهندسة أو عالمة وفرد مفيد للمجتمع.
لا أعلم فيما كان يفكر النظام الأمريكي عند دعوته النساء للتحرك في الشوارع والاحتجاج وهناك دعوات للثأر والانتقام لتلك الفتيات، فحتى فئة النساء التي كانت غير راضية عن الواقع السياسي الداخلي لن تقف مع قاتل أبنائها، هذا في الأحلام.
المنتخب النسائي الإيراني كورقة ضغط
حاولت الولايات المتحدة من جديد أن تستغل هذا الملف لكن في الجانب الرياضي، حيث كان يشارك المنتخب النسائي الإيراني في أستراليا ضمن فعاليات كأس آسيا، منافسة رياضية مشهورة وفي وقتها الطبيعي، لكن من غير الطبيعي هو ما حدث فيها.
امتنعت فتيات المنتخب عن ترديد النشيد الوطني قبل مباراتهن ضد منتخب كوريا الجنوبية، وهو أمر غير متوقع، ويحمل علامات استفهام كثيرة، هل سبب الرفض هو الاعتراض على الحرب الحالية أم السياسات الداخلية للنظام الحاكم أم ماذا ! لكن لم يسلط الضوء كثيرًا على ذلك لأنه بشكل عام يخدم الأجندة الحالية في الحرب، وفرصة ذهبية لأن تلعب أمريكا في الماء العكر.
بعد الحدث بثلاثة أيام، في المباراة التالية للمنتخب أمام استراليا، رددت الفتيات النشيد الوطني وهو الأمر الطبيعي، لكن هنا انقلبت وسائل الإعلام وجمعيات حقوق المرأة الغربية حيث صرحوا أن الفتيات بكل تأكيد تعرضوا لابتزاز وتهديد بسبب فعلتهن السابقة في مباراة كوريا الجنوبية، وهنا لابد من التدخل لحمايتهن، واستخدام هذه الورقة لقلب الرأي العام العالمي ضد إيران.
هنا بدأ تحرك قد يكون بصيص ضوء في آخر النفق لترامب وإدارته في هذا الملف، حيث تحركت خمس فتيات من الفريق مع الشرطة المحلية الاسترالية في طلب اللجوء السياسي خوفًا على أنفسهن من النظام، وهنا الرجل البرتقالي جاءت فرصته، حيث طلب من رئيس الوزراء الاسترالي بشكل عاجل أن يسهل طلبهن ويحميهن من النظام الإيراني المتوحش، وإن لم يفعل فالولايات المتحدة سوف ترحب بهن.
المفارقة العجيبة أن إيران من الدول التي منعت أمريكا تأشيراتها ضمن قرارات ترامب ضد الهجرة في بداية العام الحالي، لكن بالطبع نحن نعرف الهدف من هذه التصريحات.
الفريق النسائي خرج من البطولة بثنائية أمام الفلبين، وهنا لابد من الحسم، فهن أمام إما الرجوع لدولتهن أو الخيارات المطروحة الأخرى مثل اللجوء أو السفر للولايات المتحدة.
للحظات قليلة، دعونا نفكر لو كنا في نفس الموقف، ماذا كنا سنفعل ؟، الموقف صعب، أنت أمام إما الخيانة للوطن صراحة أو وفق التصريحات غير المأكدة بالطبع فأنت في عداد الموتى من نظامك.
حسنًا لنفكر سويًا في سيناريو الخيانة، فهنا أنت على الأقل ستبقى على قيد الحياة، لكن هل حقًا سترى معاملة حسنة من عدوك وعدو بلدك وعدو العالم بشكل عام تتار القرن الحديث ؟ صراحة نعم حتى ينتهي دورك، سوف تتلقى معاملة قد لا تراها في حياتك ولن تراها أبدًا، لكن تذكر أن الخائن يظل خائنًا.
بمناسبة الحديث عن التتار، هل تتذكر الوزير الخائن في زمن سقوط الدولة العباسية ؟ ماذا كان مصيره ؟ ماذا كان قول أهل بغداد له بعد دخول العدو وفعل ما فعله ومازال التاريخ يروى ما حدث بحروف من دم! كان الذل والمهانة حتى وصل به إلى الموت المهين.
هذا هو مصير الخونة عامة مهما حصلوا من مميزات وأموال وسلطة، فهم في النهاية مجرد أداة في يد العدو.
لنعود للسيناريو الثاني، أنت هنا قررت أن لا تتعاون مع الأعداء وسترجع إلى بلادك، وهنا ماذا تتوقع ؟ في أقصى سيناريو قد يحدث لك هو السجن لفترة فقط أو عقوبة مناسبة على فعلك، لكن لن تقتل، ولسبب بسيط، فالنظام لن يعطي العدو هذه الفرصة على طبق من ذهب، فسوف تعطيه المبرر والسبب الكافي في قوله أنه كان محقًا في دعوته وستقلب الدنيا عليك.
الآن لنرجع للواقع، ماذا فعلت الفتيات في هذا الموقف ؟، رفضت الفتيات هذا العرض، حيث في اللحظات الأخيرة في المطار، قامت السلطات بالتحدث مع كل فتاة بمفردها حول حق اللجوء وأن هذا الطلب من الولايات المتحدة، لكن كل الفتيات قولًا واحدًا رفضن العرض، والآن ماذا حدث ؟ لم يحدث لهن شيء وهذا كان المتوقع، وفشلت للمرة الثانية خطة البرتقالي في استخدام النساء لاسقاط النظام.
الحل الأخير في الخطة
هنا نأتي للحل الأخير في هذه الخطة غير معلومة الملامح منذ البداية وهو المال، وأمام العملة الخضراء قد تسقط المباديء.
ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي بعض النساء تدعوا للتحرر من النظام وأنه الوقت المناسب، لكن ملامح تلك النساء كانت تحمل الطابع الأوروبي أكثر من الطابع الإيراني، حيث كانت ملابسهن مختلفة، تعاملهن مختلف.
كن يحاولن الظهور بمظهر التحرر في الملبس وطريقة التعامل وكانت تظن الولايات المتحدة أن هذا الإغراء سوف يدفع باقي النساء للانضمام إليهن، لكن انقلب الوضع، حيث تلقت هذه الفئة سيل جارف من التعليقات التي لن اذكرها بالطبع لكن أظن أن الفكرة وصلت لك وسأدع خيالك يصف الحروف التي كتبت ضدهن، وهنا تكون خطة أمريكا لاستغلال النساء قد فشلت فشلًا ذريعًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
في الختام، إن أي خيانة من أي شكل كان لا تتخيل أن نتائجها ستكون حميدة عليك مهما طال الزمن، ولك العبرة في كل الأحداث على مر التاريخ، لن تكون محمودًا من بني جلدتك ومن عدوك الذي استخدمك.
نصيحتنا لكل نساء إيران، إن الولايات المتحدة ليست هذا الملاك الطاهر الذي سيحررك، كان من الأولى أن يحرر نساءه من القوانين العنصرية ويحقق العدالة على أرضه، هو فقط يستغلك ليحقق أطماعه فلا تنجرفي وراء هذه الطلبات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
في النهاية إن هذا التقرير ليس تحليل بل مجرد دردشة صغيرة حول الجنون الحادث أمام العالم ومازلنا نتحدث بمنطقية حول القوانين الدولية في الصراعات !
حقوق الصورة من موقع SWI swissinfo